حين تتحول الكلمات الى حياة

تحمل الكلمة بين حروفها طاقة كامنة ،  نقرؤها بفعل يبدو ميكانكيا ، لكنها ما تلبث أن تتحول إلى طاقة متحركة تسرس في دواخلنا . لذلك كان اثرها اقرب الى السحر، قد تغير حياة انسان بل حياة أمة بأكملها .

ومن هنا ، لا ينبغي أن تكون القراءة عادة عابرة ، ولا الكتابة رفاها فكريا نلجأ اليه عند الفراغ ، بل أسلوب حياة و طوق نجاة من ثقل هذه الدنيا ، كلمات ليست حروفا مصطفة على ورق  ، بل جسور نعبر بها من ضيق الواقع الى سعة المعنى ، ومن سطح الأشياء الى عمقه .

القراءة هوس جميل .

تصبح كطاىر صغير فترفر و تحلق عبر البلدان و القارات و الأ ، حيث تجد الكلمة العذبة زمنة ، تارت تكون في البندقية تستمتع برومانسيتها ، و تارت أخرى في أدغال إفريقيا تصارع من أجل البقاء يأسرك عبق التاريخ ، فتتجول بين الكتابة الإغريقية و البابلية و تغوص في حضارة الإنكا ، تبحث عن سر الحياة في بقايا الحكايات .

… فعالم القراءة يوسع وعينا ، و يعدد الزوايا التى نرى بها الأمور ، لكنه قبل ذلك يهذب إحساسنا و أحيانا يغيرنا كثيرا .

حين تعتريك الحيرة ، قد تلجأ الى عقول أحبتنا ، فتقرأ لمصطفى محمود أو عباس محمود العقاد أو ابن خلدون علك تجد بين سطورهم ما يجيب دهشتك . بعض الكلمات تنقش بداخلك معنى كأنها حفرت بإزيمل ، و بعضها يشبه صلاة الفجر ، ينقيك و يطهرك و بعضها ينعشك كرائحة الخزامى إدا تعطرت بها ثيابك

ومن رحم القراءة تولد الكتابة .

فالكتابة ليست إلا صدى لتجارب قرائية عميقة ، و إعادة تشكيل لما تراكم في الداخل من أفكار و صور و تساؤلات . كل قارئ جيد يحمل في داخله مشروع كاتب مؤجل، و حين يكتب ، لا ينسخ . ما قرا ، بل يعيد خلقه بلغته الخاصة ، و يمنحه شيئا من روحه .

و لعل أجمل ما في المطالعة أنها تعلمنا حرية الإختيار و أول بوابة الإختيار أن لا تترك عقلك سير نوع واحد من الكتب بل عليك أن تتنقل بين الأدب و التاريخ و الفلسفة و العلوم ، ثم تمارس فتحتفظ بما يضيف الى فكرك، ، و تجاوز ما لا يلامسه ، إنها رحلة انتقال : ” الغربلة ” الواعية من القراءة العفوية الى القراءة الواعية .

إن الكتابة و المطالعة معا تصنعان إنسانا أكثر وعيا و أتزانا ، القراءة تمنحه مادة التفكير ، و الكتابة تمنحه أداة التعبير . و هكذا تتحول الكلمات من حبر على ورقة الى حياة كاملة .

الكاتبة : منية عليات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Contact us

مرحبا بكم في الفضاء الثقافي بامتياز